تاريخ النشر : 06-05-2026
المشاهدات : 3
السؤال
​"ما حكم التعبد بأذكار وأوراد معينة بأعداد محددة (كقراءة سورة أو اسم من أسماء الله الحسنى عدداً معيناً من المرات) بناءً على ما يُسمى بـ 'تجارب الصالحين' أو نصيحة المشايخ، مع عدم ورود هذا العدد أو الهيئة في السنة النبوية؟ وهل يُعتبر هذا من قبيل البدعة الإضافية أم هو سعة في التعبد؟"
الاجابة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، أما بعد..
​إلى الأخت الكريمة، نبعث إليكِ هذه الكلمات محبةً في الخير، ولعل الله عز وجل أن يهدينا وإياكِ ويبصرنا بالحق. لقد استمعنا لقولكِ حول "تجارب الصالحين" في العبادات والأذكار بأعداد معينة، وكيف أن البعض قد يرى في ذلك خيراً وبركة، ونود أن نوضح هذه المسألة بميزان الشرع والدليل:
​أولاً: كمال الدين وتمام النعمة
​بدايةً، يجب أن نعلم أن الله عز وجل قد أتم لنا الدين ولم يترك فيه نقصاً يحتاج لتجاربنا، قال تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)). فما لم يكن يومئذٍ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً. ولو كان في هذه الأوراد المخترعة والأعداد المحددة خير، لكان النبي ﷺ أولى الناس ببيانها، ولكان الصحابة رضوان الله عليهم أسبق الناس إليها.
​ثانياً: شرطا قبول العمل (الإخلاص والمتابعة)
​إن ميزان قبول الأعمال عند الله ليس بكثرتها ولا بمجرد "الراحة النفسية"، بل بشرطين:
​الإخلاص: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله، وهذا أمر قلبي لا يطلع عليه إلا الله.
​المتابعة: أن يكون العمل موافقاً لسنة النبي ﷺ، وهذا هو ميزان الأعمال الظاهرة.
وقد قال ﷺ: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ"، وفي رواية مسلم: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". أي أنه مردود على صاحبه غير مقبول منه مهما بذل فيه من جهد.
​ثالثاً: العبرة بالاتباع لا بالاجتهاد الشخصي
​لقد علمنا النبي ﷺ أن العبادة ليست بكثرة الجهد إذا خالفت السنة. وفي حديث "الرهط الثلاثة" الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ فكأنهم تقالوها (رأوها قليلة)، أراد أحدهم أن يصوم الدهر ولا يفطر، والثاني أن يقوم الليل ولا ينام، والثالث أن يعتزل النساء. فرغم أن قصدهم العبادة، إلا أن النبي ﷺ أنكر عليهم وقال: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". فالعبرة ليست بما "يجربه" الشخص ويجده حسناً، بل بما ثبت عن المعصوم ﷺ.
​رابعاً: بطلان حجة "سند المشايخ" في الاختراع
​أما القول بأن هذه الأوراد مأخوذة عن مشايخ جربوها، فهذا ليس طريقاً للعلم الشرعي. العلم هو "قال الله، قال رسوله، قال الصحابة". وبيننا وبين النبي ﷺ أكثر من ألف وخمسمائة عام، فلا يقبل في الدين قولٌ لم يقم عليه دليل صحيح من الوحيين، مهما كان حسن ظننا فيمن قاله. فالمشايخ والعلماء مبلغون عن الله، وليسوا منشئين لشرع جديد أو هيئات عبادية لم تكن موجودة.
​خامساً: تعريف البدعة وخطورة "الإضافية" منها
​البدعة في الدين هي كل طريقة مخترعة تضاهي (تشبه) الطريقة الشرعية، ويقصد بها المبالغة في التعبد.
​وهناك بدعة حقيقية: ليس لها أصل، كمن يطوف بغير الكعبة تقرباً لله.
​وهناك بدعة إضافية: وهي الأخفى، حيث يكون أصل العمل مشروعاً (كالذكر أو الصلاة)، لكن المخالفة تقع في تخصيصه "بوقت معين" أو "عدد معين" أو "هيئة جماعية" لم يشرعها الله. فمن حدد اسماً من أسماء الله الحسنى بعدد (كألف مرة مثلاً) لغرض معين دون دليل شرعي، فقد وقع في البدعة الإضافية.
​ختاماً:
إن الحق أحق أن يُتبع، ونحن لا نريد إلا النجاة لأنفسنا ولكم. فالسعادة والخير كله في لزوم غرز النبي ﷺ وأصحابه، فكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.
​والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

logo